فوزي آل سيف

37

الأمراض الاخلاقية: نظرة جديدة في عوامل السقوط

تتناول هذه الصفحات بعض أنحاء التكبر والمتكبرين غير المباشرة وغير الصريحة. فإنه عندما تلفظ هذه الكلمة ومشتقاتها، يتبادر إلى الذهن صورة السلطان المترفع أو الرجل الغني الشامخ بأنفه الناظر في عِطفه الذي لا يتنزل (!) لكي يخاطب من يراه أصغر شأنا منه! والذي ينتظر من الآخرين تقديم فروض الاحترام والإجلال له، وإظهار الذلة أمامه! إلا أن كثيرا من المتكبرين حقيقة، ليسوا على هذه الصورة بل قد تراه رث الثياب أو لا يملك دينارًا في جيبه ومع ذلك هو أكثر عتوًّا من كبار المتكبرين.. والسبب في ذلك هو أنه يرى نفسه مستغنيًا، ويرى ذاته كبيرة! فيطغى كما أشارت الآيتان المباركتان (إِنَّ الْإنسان لَيَطْغَىٰ) متى، هل حين يمتلك القدرة والمال والجاه فقط، ليس هذا فحسب بل (أَن رَّآهُ اسْتَغْنَىٰ) يعني حين يرى نفسه غنيًا مكتفيًا عن ربه أو غيره. وهاتان الآيتان المباركتان من سورة العلق وهي من أوائل السور التي نزلت على المصطفى رسول الله صلى الله عليه وآله في مكة، بالرغم من أن السور المكية ولا سيما تلك التي نزلت أولًا غالبًا ما تتعرض إلى أصول العقائد، كقضية التوحيد والمعاد، ورسالة النبي صلى الله عليه وآله، إلا أننا نجد فيها - كما في هذه السورة المباركة، وفي هاتين الآيتين - إشارة إلى قضايا أخلاقية، ومع أنه فسر(الإنسان) هنا بأبي جهل بن هشام، إلا أن اللفظ عام ولا يكشف عن قضية شخصية بل إلى أصل أخلاقي، وتعريف بالنفس البشرية. ويلاحظ أن الآيتين المباركتين لا تربط الطغيان بالغنى، فكم يوجد بين الأغنياء مخبتون مؤمنون بالله تعالى، بل من أوائل المناصرين للنبي في رسالته ودعوته، وإنما تقول الآية: (أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى) يعني حين يرى الإنسان نفسه ويتصورها غنية ومستغنية. ولذلك لو كان في الواقع غنيًا مليئًا بالمال، ولكنه يستشعر فقره لله تعالى، وأنه (لا حول له ولا قوة إلا بالله) فإن هذا لن يكون طاغيًا بلا ريب. وبالعكس فإن بعض من لا يملك دينارًا في جيبه لكنه يتصور نفسه قادرًا وقويًا فإنه يطغى! إن سليمان النبي آتاه الله ملكاً لم يكن لأحد من قبله ولم يحصل لأحد من بعده، (فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ (*) وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ)[76]، ولكن هذا الملك العظيم لم يجعله يرى نفسه مالكا لشيء وإنما قال: (هَٰذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ)[77]. من هنا ندرك إلى أي حدٍّ هو أثر التربية الروحية من خلال العبادات والأذكار، حيث أنها تكرس في الإنسان شعوره بالحاجة إلى ربه، وأنه ضعيف ذليل لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا، والمفروض أن مثل هذا ينجي الإنسان من: (إِنَّ الْإنسان لَيَطْغَىٰ.أَن رَّآهُ اسْتَغْنَىٰ)، إذا التفت إلى حقيقة معناها. هذه هي حقيقة الإنسان، ومقداره الصحيح في الحياة لو تأمل فيه، وإنما هي حالة التكبر والطغيان التي تتجاوز به حده فـ (يرى) نفسه غنيًا، وكبيرًا وأفضل من غيره! ومن الطريف أن القرآن استعمل

--> 76 ص: 36 ـ 37 77 ) النمل: 40